فصل: فصل العالم ومراحل حياته

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: صيد الخاطر **


  فصل بين آدم ويوسف

قرأت سورة يوسف عليه السلام فتعجبت من مدحه عليه السلام على صبره وشرح قصته للناس ورفع قدره بترك ما ترك‏.‏

فتأملت خبيئة الأمر فإذا هي مخالفة للهوى المكروه‏.‏

فقلت‏:‏ واعجباً لو وافق هواه من كان يكون‏.‏

ولما خالفه لقد صار أمراً عظيماً تضرب الأمثال بصبره ويفتخر على الخلق باجتهاده‏.‏

وكل ذلك قد كان بصبر ساعة فيا له عزاً وفخراً أن تملك نفسك ساعة الصبر عن المحبوب وهو قريب‏.‏

وبالعكس منه حالة آدم في موافقته هواه لقد عادت نقيصة في حقه أبداً لولا التدارك فتاب عليه‏.‏

فالعاقل من ميز بين الأمرين‏.‏

الحلوين والمرين‏.‏

فإن من عدل ميزانه ولم تمل به كفة الهوى رأى كل الأرباح في الصبر وكل الخسران في موافقة النفس‏.‏

وكفى بهذا موعظة في مخالفة الهوى لأهل النهى والله الموفق‏.‏

  فصل تكامل المعارف في إصلاح القلوب

رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين‏.‏

لأنهم تناولوا مقصود النقل وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها‏.‏

وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء‏.‏

وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم‏.‏

وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء‏.‏

وقد كان جماعة من السلف يقصدون البعد الصالح للنظر إلى سمته وهديه‏.‏

لا لاقتباس وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته فافهم هذا وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا ليكون سبباً لرقة قلبك‏.‏

وقد جمعت لكل واحد من مشاهير الأخيار كتاباً فيه أخباره وآدابه‏.‏

فجمعت كتاباً في أخبار الحسن وكتاباً في أخبار سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي وأحمد بن حنبل ومعروف وغيرهم من العلماء والزهاد والله الموفق للمقصود‏.‏

ولا يصلح العمل مع قلة العلم‏.‏

فهما في ضرب المثل كسائق وقائد والنفس بينهما حرون ومع جد السائق والقائد ينقطع المنزل ونعوذ بالله من الفتور‏.‏

  فصل قوة الإرادة

ترخصت في شيء يجوز في بعض المذاهب فوجدت في قلبي قسوة عظيمة وتخايل لي نوع طرد عن الباب وبعد ظلمة تكاثفت‏.‏

فقالت نفسي‏:‏ ما هذا‏.‏

أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء‏.‏

فقلت لها‏:‏ يا نفس السوء جوابك من وجهين‏:‏ قالت‏:‏ لو لم أعتقد جواز ذلك ما فعلته‏.‏

قلت‏:‏ إلا أن اعتقادك ما ترضينه لغيرك في الفتوى‏.‏

والثاني أنه ينبغي لك الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذلك لأنه لولا نور في قلبك ما أثر مثل هذا عندك‏.‏

قالت فلقد استوحشت بهذه الظلمة المتجددة في القلب‏.‏

قلت‏:‏ فاعزمي على الترك وقدري ما تركت جائزاً بالإجماع وعدي هجره ورعاً وقد سلمت‏.‏

  فصل التوسط في المعاملة

مما أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحداً ما استطاع فإنه ربما يحتاج إليه مهما كانت منزلته‏.‏

وإن الإنسان ربما لا يظن الحاجة إلى مثله يوماً ما كما لا يحتاج إلى عويد منبوذ لا يلتفت إليه‏.‏

لكم كم من محتقر احتيج إليه‏.‏

فإذا لم تقع الحاجة إلى ذلك الشخص في جلب نفع وقعت الحاجة في دفع ضر‏.‏

واعلم أن الظاهرة بالعداوة قد تجلب أذى من حيث لا يعلم‏.‏

لأن المظاهر بالعداوة كشاهر السيف ينتظر مضرباً‏.‏

وقد يلوح منه مضرب خفي وإن اجتهد المتدرع في ستر نفسه فيغتنمه ذلك العدو‏.‏

فينبغي لمن عاش في الدنيا أن يجتهد في أن لا يظاهر بالعداوة أحداً لما بينت من وقوع احتياج الخلق بعضهم إلى بعض وإقدار بعضهم على ضرر بعض‏.‏

وهذا فصل مفيد تبين فائدته للإنسان مع تقلب الزمان‏.‏

  فصل بين المتعة والخوف

رأيت النفس تنظر إلى لذات أرباب الدنيا العاجلة وتنسى كيف حصلت وما يتضمنها من الآفات‏.‏

وبيان هذا أنك إن رأيت صاحب إمارة وسلطنة فتأملت نعمته وجدتها مشوبة فإن لم يقصد هو الشر حصل من عماله‏.‏

ثم هو خائف منزعج في كل أموره حذر من عدو أن يسيئه قلق ممن هو فوقه أن يعزله ومن نظير أن يكيده‏.‏

ثم أكثر زمانه يمضي في خدمة من يخافه من السلاطين وفي حساب أموالهم وتنفيذ أوامرهم التي لا تخلو من أشياء منكرة‏.‏

وإن عزل أربى ذلك على جميع ما نال من لذة‏.‏

ثم تلك اللذة تكون مغمورة بالحذر فيها ومنها وعليها‏.‏

وإن رأيت صاحب تجارة رأيته قد تقطع في البلاد فلم ينل ما نال إلا بعد علو السن وذهاب زمان اللذة‏.‏

كما حكي أن رجلاً من الرؤساء كان حال شبيبته فقيراً فلما كبر استغنى وملك أموالاً واشترى عبيداً من الترك وغيرهم وجواري من الروم فقال هذه الأبيات في شرح حاله‏.‏

ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا ملكته بعد أن جاوزت سبعينا تطوف بي من الأتراك أغزلة مثل الغصون على كثبان يبرينا وخرد من بنات الروم رائعة يحكين بالحسن حور الجنة العينا يغمزنني بأساريع منعمة تكاد تعقد من أطرافها لينا يردن إحياء ميت لا حراك به وكيف يحيين ميتاً صار مدفونا قالوا أنينك طول الليل يسهرنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا وهذه الحالة هي الغالبة فإن الإنسان لا يكاد يجتمع له كل ما يحبه إلا عند قرب رحيله فإن بدر ما يحب في بداية شبابه فالصبوة مانعة من فهم التدابير أو حسن الإلتذاذ‏.‏

والإنسان في حالة الصبوة لا يدري أين هو إلا أن يبلغ فإذا بلغ كانت همته في المنكوح كيف ما اتفق‏.‏

وإن تزوج جاء الأولاد فمنعوه اللذة وانكسر في نفسه وافتقر إلى الكسب عليهم‏.‏

فبينما هو قد دعك في تلك المديدة القريبة من الثلاثين وخطه الشيب فانفرق من نفسه لعلمه أن النساء ينفرقن منه كما قال ابن المعتز بالله‏:‏ لقد أتعبت نفسي في مشيبي فكيف تحبني الغيد الكعاب وهكذا لا ترى المتمتع بالمستحسنات إن وجدهن لم يجد ما لا يبلغ به المراد‏.‏

وإن اشتغل بجمع المال ضاع زمن تمتعه وإذا تم المطلوب فالشيب أقبح قذى وأعظم مبغض‏.‏

ثم إن صاحب المال خائف على ماله محاسب لمعامليه مذموم إن أسرف وإن قتر‏.‏

ولده يرصد موته وجاريته قد لا ترضى بشخصه وهو مشغول بحفظ حواشيه‏.‏

فقد مضى زمانه في محن واللذات فيها خلس معتادة لا لذة فيها‏.‏

ثم في القيامة يحشر الأمير والتاجر خزايا إلا من عصم الله‏.‏

ثم في ضمنه من محن الدنيا والآخرة ما لا يوصف‏.‏

فعليك بالقناعة مهما أمكن ففيها سلامة الدنيا والدين‏.‏

وقد قيل لبعض الزهاد وعنده خبز يابس‏.‏

كيف تشتهي هذا‏.‏

فقال‏:‏ أتركه حتى أشتهيه‏.‏

فصل مناجاة وقع بيني وبين أرباب الولايات نوع معاداة لأجل المذهب‏.‏

فإني كنت في مجلس التذكير أنظر أن القرآن كلام الله وأنه قديم وأقدم أبا بكر‏.‏

واتفق في أرباب الولايات من يميل إلى مذهب الأشعري وفيهم من يميل إلى مذهب الروافض وتمالؤا في الباطن‏.‏

فقلت يوماً في مناجاتي للحق سبحانه وتعالى‏:‏ سيدي نواصي الكل بيدك وما فيهم من يقدر لي على ضر إلا أن تجريه على يده وأنت قلت سبحانك ‏"‏ وما هم بضارين به من أحد إلاَّ بإذن اللّه ‏"‏‏.‏

وطيبت قلب المبتلي بقولك‏:‏ ‏"‏ قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب اللّه لنا ‏"‏‏.‏

فإن أجريت على أيدي بعضهم ما يوجب خذلاني كان خوفي على ما نصرته أكثر من خوفي وإن نظرت إلى تقصيري وذنوبي فإني مستحق للخذلان غير أني أعيش بما نصرته من السنة فأدخلني في خفارته‏.‏

وقد استودعني إياك خلق من صالحي عبادك فإن لم تحفظني بي فاحفظني بهم‏.‏

سيدي انصرني على من عاداني فإنهم لا يعرفونك كما ينبغي وهم معرضون عنك على كل حال وأنا - على تقصيري - إليك أنسب‏.‏

  فصل بلاء المتصوفة

روي عن الحلاج الصوفي أنه كان يقعد في الشمس في الحر الشديد وعرقه يسيل فجاز بعض العقلاء فقال له‏:‏ يا أحمق هذا تقاوي على الله تعالى‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏!‏‏!‏‏!‏ وما أحسن ما قال هذا‏!‏ فإنه ما وضع التكليف إلا على خلاف الأغراض وقد يحرج صاحبه إلى أن يعجز عن الصبر‏.‏

فالجاهل الأحمق من تقاوى أو من يسأل البلاء كما قال ذلك الأبله‏:‏ فكيف ما شئت فاختبرني‏.‏

فصل التجلد للأمور والسعيد من ذل الله وسأل العافية فإنه لا يوهب العافية على الإطلاق إذ لا بد من بلاء ولا يزال العاقل يسأل العافية لتغلب على جمهور أحواله فيقرب الصبر على يسير البلاء‏.‏

وفي الجملة ينبغي للإنسان أن يعلم أنه لا سبيل إلى محبوباته خالصة ففي كل جرعة غصص وفي كل لقمة شجا‏:‏ وكم من يعشق الدنيا قديماً ولكن لا سبيل إلى الوصال وعلى الحقيقة ما الصبر إلا على الأقدار وقل أن تجري الأقدار إلا على خلاف مراد النفس‏:‏ فالعاقل من دارى نفسه في الصبر بوعد الأجر وتسهيل الأمر ليذهب زمان البلاء سالماً من شكوى ثم يستغيث الله تعالى سائلاً العافية‏.‏

فأما المتجلد فما عرف الله قط‏.‏

نعوذ بالله من الجهل به ونسأله عرفانه إنه كريم مجيب‏.‏

  فصل طريق النبوة

الطريق الأمثل الجادة السليمة والطريق القويمة الاقتداء بصاحب الشرع‏.‏

والبدار إلى الاستنان به فهو الكامل الذي لا ينقص فيه‏.‏

فإن خلقاً كثيراً انحرفوا إلى جادة الزهد وحملوا أنفسهم فوق الجهد فأفاقوا في أواخر العمر وإن أقواماً انحرفوا إلى صورة العلم فبالغوا في طلبه فأفاقوا في أواخر قدم وقد فاتهم العمل به‏.‏

فطريق المصطفى صلى الله عليه وسلم العلم والعمل والتلطف بالبدن‏.‏

كما أوصى عبد الله بن عمر عمرو بن العاص وقال له‏:‏ إن لنفسك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً‏.‏

فهذه هي الطريق الوسطى والقول الفصل‏.‏

فأما اليبس المجرد فكم فوت من علم لو حصل نيل به أكثر مما نيل بالعمل‏.‏

فإن مثل العالم كرجل يعرف الطريق والعابد جاهل بها فيمشي العابد من الفجر إلى العصر ويقوم العالم قبيل العصر فيلتقيان وقد سبق العالم فضل شوطه‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ بين لي هذا قلت‏:‏ صورة التعبد خدمة لله تعالى وذل له وربما لم يطلع العابد على معنى تلك الصورة لأنه ربما ظن أنه أهل لوجود الكرامة على يده وأنه مستحق تقبيل يده أو إنه خير من كثير من الناس وذلك كله لقة العلم‏.‏

وأعني بالعلم فهو أصول العلم لا كثرة الرواية ومطالعة مسائل الخلاف‏.‏

فإذا طالع العالم الأصولي سبق هذا العابد بحسن خلق ومداراة الناس وتواضعه في نفسه فيعسر هذا على العابد وهو في ليل جهله بالحال راقد‏.‏

ربما تزوج العابد ثم حمل نفسه على التجفف فحبس زوجته عن مطلوب ولم يطلقها وصار كالتي حبست الهرة فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض‏.‏

ومن تأمل حالة الرسول صلى الله عليه وسلم رأى كاملاً من الخلق يعطي كل ذي حق حقه‏.‏

فتارة يمزح وتارة يضحك ويداعب الأطفال ويسمع الشعر ويتكلم بالمعاريض ويحسن معاشرة النساء ويأكل ما قدر عليه وأتيح له وإن كان لذيذاً كالعسل‏.‏

ويستعذب له الماء ويفرش له في الظل ولم ينكر ذلك‏.‏

ولم يسمع عنه ما حدث بعده من جهال المتصوفة والمتزهدين ومن منع النفس شهواتها على الإطلاق‏.‏

فقد كان يأكل البطيخ بالرطب ويقبل ويمص اللسان ويطلب المستحسنات‏.‏

فأما أكل خبز الشعير ووزن المأكول وتجفيف البدن وهجر كل مشتهى فإنه تعذيب للنفس وهدم للبدن لا يقتضيه عقل ولا يمدحه شرع‏.‏

وإنما اقتنع أقوام بالقليل لأسباب مثل أن حدثت شبهة فتقللوا أو اختلط طعام بطعام فتورعوا‏.‏

فعليك بطريقته التي هي أكمل الطرق وبشرعته التي لا شوب فيها‏.‏

ودع حديث فلان وفلان من الزهاد واحمل أمرهم على أحسن محمل وأقم لهم الأعذار مهما قدرت‏.‏

فإن لم تجد عذراً فهم محجوجون بفعله إذ هو قدوة الخلق وسيد العقلاء‏.‏

وهل فسد الناس إلا بالإنحراف عن الشريعة‏.‏

ولقد حدثت آفات من المتصوفة والمتزهدين خرقوا بها شبكة الشريعة وعبروا فمنهم من يدعي المحبة والشوق ولا يعرف المحبوب‏.‏

فتراه يصيح ويستغيث ويمزق ثيابه ويخرج عن حد الشرع بدعواه ومضمونها‏.‏

ومنهم من حمل على نفسه بالجوع والصوم الدائم وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمرو‏:‏ صم يوماً وأفطر يوماً فقال أريد أفضل من ذلك فقال‏:‏ لا أفضل‏.‏

وفيهم من خرج إلى السياحة فأفات نفسه الجماعة وفيهم من دفن كتب العلم وقعد يصلي ويصوم ولم يعلم أن دفنها خطأ قبيح لأن النفس تغفل وتحتاج إلى التذكير في كل وقت ونعم المذكر كتب العلم‏.‏

وإنما دخل إبليس على كل قوم منهم من حيث قدر وكان مقصوده بدفن الكتب إطفاء المصباح ليس العابد في الظلمة‏.‏

وما أحسن ما قال بعض العلماء لرجل سأله فقال‏:‏ أريد أن أمضي إلى جبل الآكام فقال هذه - هوكلة - وهذه كلمة عامية معناها حب البطالة‏.‏

وعلى الحقيقة الزهاد في مقام الخفافيش قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس وهي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير من جماعة وأتباعة جنازة وعيادة مريض‏.‏

إلا أنها حالة الجبناء فأما الشجعان فهم يتعلمون ويعلمون‏.‏

وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام‏.‏

أترى كم بين العابد إذا نزلت به حادثة وبين الفقيه‏.‏

بالله لو مال الخلق إلى التعبد لضاعت الشريعة‏.‏

على أنه لو فهم معنى التعبد لم يقتصر به على الصلاة والصوم فرب ماش في حاجة مسلم فضل تعبده ذلك على صوم سنة‏.‏

والعمل بالبدن سعي الآلات الظاهرة والعلم سعي الآلات الباطنة من العقل والفكر والفهم فلذلك كان أشرف‏.‏

فإن قلت‏:‏ كيف تذم المعتزلين للشر وتنفي عنهم التعبد قلت‏:‏ ما أذمهم بل حدثت منهم حوادث اقتضاها الجهل من الدعاوي والآفات التي سببها قلة العلم وحملوا على أنفسهم التي حتى أن أحدهم يرى أن فعل ما يؤذي النفس على الإطلاق فضيلة وحتى قال بعض الحمقى‏:‏ دخلت الحمام فوجدت غفلة فآليت أن لا أخرج حتى أسبح كذا وكذا تسبحية فطال الأمر فمرضت‏.‏

وهذا رجل خاطر بنفسه في فعل ما ليس له ومن المتصوفة والزهاد من قنع بصورة اللباس وركب من الجهل في الباطن ما لا يسعه كتاب‏.‏

طهر الله الأرض منهم وأعان العلماء عليهم‏.‏

فإن أكثر الحمقى معهم فلو أنكر عالم على أحدهم مال العوام على العالم بقوة الجهل‏.‏

ولقد رأيت كثيراً من المتعبدين وهو في مقام العجائز يسبح تسبيحات لا يجوز النطق بها ويفعل في صلاته ما لم ترد به السنة‏.‏

ولقد دخلت يوماً على بعض من كان يتعبد وقد أقام إماماً وهو خلفه في جماعة يصلي بهم صلاة الضحى ويجهر فقلت لهم‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ صلاة النهار عجماء فغضب ذلك الزاهد وقال‏:‏ كم ينكر هذا علينا‏!‏‏.‏

وقد دخل فلان وأنكر فلان وأنكر نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام‏.‏

فقلت‏:‏ واعجباً ومن قال لكم لا تناموا أليس في الصحيحين من حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال به‏:‏ ولقد شاهدت رجلاً كان يقال له حسين القزويني بجامع المنصور وهو يمشي في الجامع مشياً كثيراً دائماً فسألت ما السبب في هذا المشي فقيل لي حتى لا ينام‏.‏

وهذه كلها حماقات أوجبتها قلة العلم لأنه إذا لم تأخذ النفس حظها من النوم اختلط العقل وفات المراد من التعبد لبعد الفهم‏.‏

ولقد حدثني بعض الصالحين المجاورين بجامع المنصور أن رجلاً اسمه كثير دخل عليهم الجامع فقال‏:‏ إني عاهدت الله على أمر ونقضته وقد جعلت عقوبتي لنفسي أن لا آكل شيئاً أربعين يوماً قال‏:‏ فمكث منها عشرة أيام قريب الحال يصلي في جماعة ثم في العشر الثاني بان ضعفه وكان يداري الأمر ثم صار في العشر الثالث يصلي قاعداً ثم استطرح في العشر الرابع فلما تمت الأربعون جيء بنقوع فشربه فسمعنا صوته في حلقه مثل ما يقع الماء على المقلاة ثم مات بعد أيام‏.‏

فقلت‏:‏ يا الله العجب انظروا ما فعل الجهل بأهله ظاهر هذا أنه في النار إلا أن يعفى عنه‏.‏

ولو فهم العلم وسأل العلماء لعرفوه أنه يجب عليه أن يأكل وأن ما فعله بنفسه حرام‏.‏

ولكن من أعظم الجهل استبداد الإنسان بعلمه وكل هذه الحوادث نشأت قليلاً قليلاً حتى تمكنت‏.‏

فأما الشرب الأول فلم يكن فيه من هذا شيء وما كانت الصحابة تفعل شيئاً من هذه الأشياء وقد كانوا يؤثرون ويأكلون دون الشبع ويصبرون إذا لم يجدوا‏.‏

فمن أراد الاقتداء فعليه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ففي ذلك الشفاء والمطلوب‏.‏

ولا ينبغي أن يخلد العاقل إلى تقليد معظم شاع اسمه فيقول‏:‏ قال‏:‏ أبو يزيد وقال الثوري فإن المقلد أعمى‏.‏

وكم قد رأينا أعمى يأنف من حمل عصا فمن فهم هذا المشار إليه طلب الأفضل والأعلى والله الموفق‏.‏

  فصل أساس البدع

تأملت الدخل الذي دخل في ديننا من ناحيتي العلم والعمل فرأيته من طريقين قد تقدما هذا الدين وأنس الناس بهما‏.‏

فأما أصل الدخل في العلم والاعتقاد فمن الفلسفة‏.‏

وهو أن خلقاً من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانعكاف على الكتاب والسنة فأوغلوا في النظر في مذاهب أهل الفلسفة وخاضوا في الكلام وأما أصل الدخل في باب العمل فمن الرهبانية‏.‏

فإن خلقاً من المتزهدين أخذوا عن الرهبان طريق التقشف ولم ينظروا في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسمعوا ذم الدنيا وما فهموا المقصود‏.‏

فاجتمع لهم الإعراض عن علم شرعنا مع سوء الفهم للمقصود فحدثت منهم بدع قبيحة‏.‏

فأول ما ابتدأ به إبليس أنه أمرهم بالإعراض عن العلم فدفنوا كتب وغسلوها‏.‏

وألزمهم زاوية التعبد فيما زعم وأظهر لهم من الخزعبلات ما أوجب إقبال العوام عليهم فجعل إلههم هواهم‏.‏

ولو علموا أنهم منذ دفنوا كتبهم وفارقوا العلم انطفأ مصباحهم ما فعلوا‏.‏

لكن إبليس كان دقيق المكر يوم جعل علمهم في دفين تحت الأرض‏.‏

وبالعلم يعلم فساد الطريقين ويهتدي إلى الأصوب‏.‏

نسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا إياه فإنه النور في الظلم والأنيس في الوحدة والوزير عند الحادثة‏.‏

  فصل أهل الفراغ بلاء

أعوذ بالله من صحبة الباطلين لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما قد اعتاده الناس من كثرة الزيارة ويسمون ذلك التردد خدمة ويطلبون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني وما يتخلله غيبة‏.‏

وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس وربما طلبه المزور وتشوق إليه واستوحش من الوحدة وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض ولا يقتصرون على الهناء والسلام بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان‏.‏

فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء والواجب إنتهاؤه بفعل الخير كرهت ذلك وبقيت مهم بين أمرين‏.‏

إن أنكرت عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف وإن تقبلته منهم ضاع الزمان‏.‏

فصرت أدافع اللقاء جهدي فإذا غلب قصرت في الكلام لأتعجل الفراق‏.‏

ثم أعددت أعمالاً تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغاً‏.‏

فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام وحزم الدفاتر فإن هذه الأشياء لا بد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي‏.‏

نسأل الله عز وجل أن يعرفنا شرف أوقات العمر وأن يوفقنا لاغتنامه‏.‏

ولقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس وكم تمر به من آفة ومنكر‏.‏

ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث من السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك‏.‏

فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك ‏"‏ وما يلقّاها إلاّ ذو حظ عظيم ‏"‏‏.‏

  فصل العالم ومراحل حياته

رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة‏.‏

لأني أشافه في عمري عدداً من المتعلمين وأشافه بتصنيفي خلقاً لا تحصى ما خلقوا بعد‏.‏

ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم‏.‏

فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد فإنه ليس كل من صنف صنف‏.‏

وليس المقصود جمع شيء كيف كان وإنما هي أسرار يطلع الله عز وجل عليها من شاء من عباده ويوفقه لكشفها فيجمع ما فرق أو يرتب ما شتت أو يشرح ما أهمل هذا هو التصنيف المفيد‏.‏

وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر لأن أوائل العمر زمن الطلب وآخره كلال الحواس‏.‏

وربما خان الفهم والعقل من قدر عمره وإنما يكون التقدير على العادات الغالبة لا أنه لا يعلم الغيب فيكون زمان الطلب والحفظ والتشاغل إلى الأربعين ثم يبتدىء بعد الأربعين بالتصانيف والتعليم‏.‏

هذا إذا كان قد بلغ ما يريد من الجمع والحفظ وأعين على تحصيل المطالب‏.‏

فأما إذا قلت الآلات عنده من الكتب أو كان في أول عمره ضعيف الطلب فلم ينل ما يريده في هذا الأوان أخر التصانيف إلى تمام خمسين سنة‏.‏

ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف والتعليم إلى رأس الستين ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم ويسمع الحديث والعلم ويعلل التصانيف إلى أن يقع مهم إلى رأس السبعين فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة والتهيؤ للرحيل‏.‏

فيوفر نفسه على نفسه إلا من تعليم يحتسبه أو تصنيف يفتقر إليه فذلك أشرف العدد للآخرة‏.‏

ولتكن همته في تنظيف نفسه وتهذيب خلاله والمبالغة في استدراك زلاته فإن اختطف في خلال ما ذكرنا فنية المؤمن خير من عمله‏.‏

وإن بلغ إلى هذه المنازل فقد بينا ما يصلح لكل منزل‏.‏

وقد قال سفيان الثوري‏:‏ من بلغ سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتخذ لنفسه كفناً وقد بلغ جماعة من العلماء سبعاً وسبعين سنة منهم أحمد بن حنبل فإن بلغها فليعلم أنه على شفير القبر وإن كل يوم يأتي بعدها مستطرف‏.‏

فإن تمت له الثمانون فليجعل همته كلها مصروفة إلى تنظيف خلاله وتهيئة زاده وليجعل الاستغفار حليفه والذكر أليفه وليدقق في محاسبة النفس وفي بذل العلم أو مخالطة الخلق‏.‏

فإن قرب الاستعراض للجيش يوجب عليه الحذر من العارض‏.‏

وليبالغ في إبقاء أثره قبل رحيله مثل بث علمه وإنفاق كتبه وشيء من ماله‏.‏

وبعد فمن تولاه الله عز وجل علمه ومن أراده ألهمه‏.‏

نسأل الله عز وجل أن ينعم علينا بأن يتولانا ولا يتولى عنا إنه قريب مجيب‏.‏

  فصل أثر العادة في الناس

رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع‏!‏‏.‏

فكم من رجل يوصف بالخير يبيع ويشتري فإذا حصلت له القراضة باعها بالصحيح من غير تقليد لإمام أو عمل برخصة عادة من القوم واستثقالاً للاستفتاء‏.‏

ونرى خلقاً يحافظون على صلاة الرغائب ويتوانون عن الفرائض‏.‏

وكثيراً من المتصوفين لا يستوحشون من ظلم الناس ثم يتصدقون على الفقراء‏.‏

وربما توانوا عن إخراج الزكاة وتكاسلوا باستعمال التأويلات فيها‏.‏

ثم إذا حضر أحدهم مجلس وعظ بكى كأنه يصانع بتلك الحال‏.‏

ومنهم من يخرج بعض الزكاة مصانعة عما لم يخرجه‏.‏

ومنهم من يعلم أن أصل ماله حرام ويصعب عليه فراقه للعادة‏.‏

وفيهم من يحلف بالطلاق ويحنث ويرى الفراق صعباً‏.‏

فربما تأول وربما تكاسل عن التأويل اتكالاً على عفو الله تعالى ووعداً من النفس بالتوبة‏.‏

ومنهم من يرى أن استعمال الشرع ربما ان سبباً في تضييق معاشه‏.‏

وقد ألف التفسح فلا يسهل عليه فراق ما قد ألف والعادات في الجملة هي المهلكة‏.‏

ولقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنة فاشتريت منه دكاناً وعقدت معه العقد فلما افترقنا غدر بعد أيام‏.‏

فطلبت منه الحضور عند الحاكم فأبى‏.‏

فأحضرته فحلف باليمين الغموس أنه ما بعته فقلت ما تدور عليه السنة‏.‏

وأخذ يبرطل لمن يحول بيني وبينه من الظلمة‏.‏

فرأيت من العوام من قد غلبت عليه العادات فلا يلتفت معها إلى قول فقيه يقول هذا ما قبض الثمن فكيف يصح البيع‏.‏

وآخر يقول كيف يحوز لك أن تأخذ دكانه بغير رضاه‏.‏

وآخر يقول يجب عليك أن تقيله البيع‏.‏

فلما لم أقله أخذ هو وأقاربه يأخذون عرضي ورأى أنه يحامي عن ملكه ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يحرض فيها من الكذب ما أدهشني ويبرطل ما لا لخلق الظلمة فبالغوا وسعوا‏.‏

إلا أن الله تعالى نجاني من شرهم‏.‏

ثم إني أقمت عليه البينة عند الحاكم فقال بعض أرباب الدنيا للحاكم‏:‏ لا تحكم له فوقف عن الحكم بعد ثبوب البينة عنده فرأيت من هذا الحاكم ومن حاكم آخر أعلى منه من ترك إنفاذ الحق حفظاً لرياستهم ما هون عندي ما فعله ذلك الشيخ حفظاً لماله لجهله وعلم هؤلاء فينحل لي من الأمر أن العادات غلبت على الناس وأن الشرع أعرض عنه‏.‏

وإن وقعت موافقة للشرع فكما اتفق أو لأجل العادة‏.‏

فإن الإنسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان عادة قد استمرت ويأخذ أعراض الناس وأموالهم عادة غالبة‏!‏‏!‏‏.‏

فكم قد رأيت هذا الشيخ يصلي ويحافظ على الصلاة ثم لما خاف فوت غرضه ترك الشرع جانباً‏.‏

وكم قد رأيت أولئك الحكام يتعبدون ويطلبون العلم غير أنهم لما خافوا على رياستهم أن تزول تركوا جانب الدين‏.‏

ثم إن الله تعالى نصرني عليه وتقدم إلي الحاكم بإنفاذ ما ثبت عنده ودارت السنة فمات الشيخ على قل فنسأله عز وجل التوفيق للانقياد لشرعه ومخالفة أهوائنا‏.‏

  فصل شرف العلم وتنزيهه

فإنه ينال بها سلامة بدنه ودينه وجاهه عند الله عز وجل وعند الخلق‏.‏

لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم ولا يعظم عندهم قدر المخالط لهم ولهذا عظم قدر الخلفاء لاحتجابهم‏.‏

وإذا رأى العوام أحد العلماء مترخصاً في أمر مباح هان عندهم‏.‏

فالواجب عليه صيانة علمه وإقامة قدر للعلم عندهم‏.‏

فقد قال بعض السلف‏:‏ كنا نمزح ونضحك فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك‏.‏

وقال سفيان الثوري‏:‏ تعلموا هذا العلم واكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب‏.‏

فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر‏.‏

وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة‏:‏ لولا حدثان قومك في الكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابين‏.‏

وقال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب‏:‏ رأيت الناس يكرهونهما فتركتها‏.‏

ولا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء إنما هذه صيانة للعلم‏.‏

وبيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم وإن كان مباحاً فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية‏.‏

وهذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد قدم الشام راكباً على حمار ورجلاه من جانب فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين يتلقاك عظماء الناس فما أحسن ما لاحظ‏.‏

إلا أن عمر رضي الله عنه أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل فقال‏:‏ إن الله أعزكم بالإسلام فمهما طلبتم العز في غيره أذلكم‏.‏

والمعنى ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال وإن كانت الصور تلاحظ‏.‏

فإن الإنسان يخلو في بيته عرياناً فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين وعمامة ورداء‏.‏

ومثل هذا لا يكون تصنعاً ولا ينسب إلى كبر‏.‏

وقد كن مالك بن أنس يغتسل ويتطيب ويقعد للحديث ولا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين فإن العزلة أصون للعالم والعلم وما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه‏.‏

وقد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة وعن قول هذا سكتوا عنه وهذا فعل الحازم‏.‏

فإن أردت اللذة والراحة فعليك أيها العلم بقعر بيتك وكن معتزلاً عن أهلك يطب لك عيشك وليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه وتحادث سطور كتبك وتجري في حلبات فكرك‏.‏

واحترس من لقاء الخلق وخصوصاً العوام‏.‏

واجتهد في كسب يعفك عن الطمع فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا‏.‏

وقد قيل لابن المبارك مالك لا تجالسنا فقال‏:‏ أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين وأشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه‏.‏

ومتى رزق العالم الغني عن الناس والخلوة فإن كان له فهم يجلب التصانيف فقد تكاملت لذته‏.‏

وإن رزق فهما يرتقي إلى معاملة الحق ومناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات‏.‏

نسأل الله عز وجل همة عالية تسمو إلى الكال وتوفيقاً لصالح الأعمال فالسالكون طريق الحق أفراد‏.‏

  فصل من قصص الحياة

تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم حينئذ‏.‏

فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب ومنهم من فرط في اكتساب العلم ومنهم من أكثر من فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت أو قوى ضعفت أو فضيلة فاتت فيمضي زمان الكبر في حسرات‏.‏

فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال واأسفا على ما جنيت‏.‏

وإن لم يكن له إفاقة صار متأسفاً على فوات ما كان يلتذ به‏.‏

فأما من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس ويلتذ بتصنيف ما جمع ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم‏.‏

هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب‏.‏

وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها كما قال الشاعر‏:‏ اهتز عند تمني وصلها طريا ورب أمنية أحلى من الظفر ولقد تأملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدنيا وأنفقت زمن الصبوة والشباب في طلب العلم فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه‏.‏

ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم وجاهي بين الناس أعلى من جاههم‏.‏

وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم‏.‏

فقلت له‏:‏ أيها الجاهل تقطيع الأيدي لا وقع له عند رؤية يوسف‏.‏

وما طالت طريق أدت إلى صديق‏:‏ جزى اللّه المسير إليه خيراً وإن ترك المطايا كالمزاد ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو‏.‏

كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء‏.‏

فكلما أكلت لقمة شربت عليها وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم‏.‏

فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم فصرت في معرفة طريقه كابن أجود‏.‏

وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدري بالعلم حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله عز وجل‏.‏

ولولا خطايا لا يخلو منها البشر لقد كنت أخاف على نفسي من العجب‏.‏

غير أنه عز وجل صانني وعلمني وأطلعني من أسرار العلم معرفته وإيثار الخلوة به حتى أنه لو حضر معي معروف وبشر لرأيتها رحمة‏.‏

ثم عاد فغمسني في التقصير والتفريط حتى رأيت أقل الناس خيراً مني‏.‏

وتارة يوقظني لقيام الليل ولذة مناجاته وتارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني‏.‏

ولولا بشارة العلم بأن هذا نوع تهذيب وتأديب لخرجت إما إلى العجب عند العمل وإما إلى اليأس عند البطالة‏.‏

لكن رجائي في فضله قد عادل خوفي منه‏.‏

وقد يغلب الرجاء بقوة أسبابه لأني رأيت أنه قد رباني منذ كنت طفلاً فإن أبي مات وأنا لا أعقل والأم لم تلتفت إلي‏.‏

فركز في طبعي حب العلم‏.‏

وما زال يوقعني على المهم فالمهم ويحملني إلى من يحملني على الأصوب حتى قوم أمري‏.‏

وكم قد قصدني عدو فصده عني‏.‏

وإذ رأيته قد نصرني وبصرني ودافع عني ووهب لي قوى رجائي في المستقبل بما قد رأيت في الماضي‏.‏

ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس‏.‏

ويحق لمن تلمح هذا الإنعام أن يرجو التمام‏.‏

وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي‏.‏

ولقد جلست يوماً فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا من قد رق قلبه‏.‏

أو دمعت عينه‏.‏

فقلت لنفسي‏:‏ كيف بك إن نجوا وهلكت‏:‏ فصحت بلسان وجدي‏:‏ إلهي وسيدي إن قضيت علي بالعذاب غداً فلا تعلمهم بعذابي صيانة لكرمك لا لأجلي لئلا يقولوا عذب من دل عليه‏.‏

إلهي قد قيل لنبيك صلى الله عليه وسلم‏.‏

أقتل ابن أبي المنافق فقال‏:‏ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه‏.‏

إلهي فاحفظ حسن عقائدهم في بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك‏.‏

حاشاك والله يا رب من تكدير الصافي‏.‏

لا تبر عوداً أنت ريّشته حاشا لباني الجود أن ينقضا لا تعطش الزرع الذي نبته بصوب إنعامك قد روضا فصل اللذة بين الواقع والخيال من الأمور التي تخفي على العاقل أن يرى أنه متى لم تكن عنده امرأة أو جارية يهواها هوى شديداً أنه لا يلتذ في الدنيا‏.‏

فإذا صور محبوباً مملوكاً تخايل لذة عظيمة‏.‏

وإذا كان عنده من لا يميل إليه اعتقد نفسه محروماً‏.‏

وهذا أمر شديد الخفاء فينبغي أن يوضح‏.‏

وهو أن المملوك مملول‏.‏

ومتى قدر الإنسان على ما يشتهيه مله ومال إلى غيره‏.‏

تارة لبيان عيوبه التي تكشفها المخالطة فإنه قد قال الحكماء‏.‏

العشق يعمي عن عيوب المحبوب‏.‏

وتارة لمكان القدرة عليه والنفس لا تزال تتطلع إلى ما لا تقدر عليه‏.‏

ثم لو قدرنا دوام المحبة مع القدرة فإنها قد تكون ولكن ناقصة بمقدار القدرة وإنما يقويها تجني المحبوب‏.‏

فيكون تجنيه كالامتناع أو امتناعه من الموافقة‏.‏

فإذا صفا فلا بد من أكدار منها الحذر عليه ومنها قلة ميله إلى هذا العاشق وربما يتكلف القرب منه ويعلم الإنسان بقلة ميل محبوبه إليه فينغص بل يبغض‏.‏

فإن خاف منه خيانة احتاج إلى حراسة فقويت النغص‏.‏

وأصلح المقامات التوسط وهو اختيار ما تميل النفس إليه ولا يرتقي إلى مقام العشق فإن العاشق في عذاب‏.‏

وإنما يتخايل الفارغ من العشق التذاذ العاشق وليس كذلك‏.‏

فإنه كما قيل‏:‏ وما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى عذب المذاق تراه باكياً في كل وقت مخافة فرقة أو لاشتياق فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق فتسخن عينه عند التداني وتسخن عينه عند الفراق فصل تفاوت الهمم والآمال ما ابتلي الإنسان قط بأعظم من علو همته‏.‏

فإن من علت همته يختار المعالي‏.‏

وربما لا يساعد الزمان وقد تضعف الآلة فيبقى في عذاب‏.‏

وإني أعطيت من علو الهمة طرفاً فأنابه في عذاب ولا أقول ليته لم يكن فإنه إنما يحلو العيش بقدر عم العقل والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل‏.‏

ولقد رأيت أقواماً يصفون علو هممهم فإذا بها في فن واحد‏.‏

ولا يبالون بالنقص فيما هو أهم قال الرضي‏:‏ فنظرت فإذا غاية أمله الإمارة‏.‏

وكان أبو مسلم الخراساني في حال شبيبته لا يكاد ينام فقيل له في ذلك فقال‏:‏ ذهن صاف وهم بعيد ونفس تتوق إلى معالي الأمور مع عيش كعيش الهمج الرعاع‏.‏

قيل‏:‏ فما الذي يبرد غليلك‏.‏

قال‏:‏ الظفر بالملك‏.‏

قيل‏:‏ فاطلبه قال‏:‏ لا يطلب إلا بالأهوال‏.‏

قيل‏:‏ فاركب الأهوال قال‏.‏

العقل مانع‏.‏

قيل‏:‏ فما تصنع قال‏:‏ سأجعل من عقلي جهلاً وأحاول به خطراً لا ينال إلا بالجهل وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به فإن الخمول أخو العدم‏.‏

فنظرت إلى حال هذا المسكين فإذا هو قد ضيع أهم المهمات وهو جانب الآخرة وانتصب في طلب الولايات‏.‏

فكم فتك وقتل حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا‏.‏

ثم لم يتنعم في ذلك غير ثمان سنين‏.‏

ثم اغتيل ونسي تدبير العقل فقتل ومضى إلى الآخرة على أقبح حال‏.‏

وكان المتنبي يقول‏:‏ وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ومركوبه رجلاه والثوب جلده ولكن قلباً - بين جنبي - ما له مدى ينتهي بي في مراد أحدّه فتأملت هذا الآخر فإذا نهمته فيما يتعلق بالدنيا فحسب‏.‏

ونظرت إلى علو همتي فرأيتها عجباً‏.‏

وذلك أنني أروم من العلم ما أتيقن أني لا أصل إليه لأنني أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها‏.‏

وأريد استقصاء كل فن هذا أمر يعجز العمر عن بعضه‏.‏

فإن عرض لي ذو همة في فن قد بلغ منتهاه رأيته ناقصاً في غيره‏.‏

فلا أعد همته تامة‏.‏

مثل المحدث فاته الفقه‏.‏

والفقيه فاته علم الحديث‏.‏

فلا أرى الرضى بنقصان من العلوم إلا حادثاً عن نقصه الهمة‏.‏

ثم إني أروم نهاية العمل بالعلم فأتوق إلى ورع بشر وزهادة معروف وهذا مع مطالعة التصانيف وإفادة الخلق ومعاشرتهم بعيد‏.‏

ثم إني أروم الغني عن الخلق وأستشرف الإفضال عليهم والاشتغال بالعلم مانع من الكسب‏.‏

وقبول المنن مما تأباه الهمة العالية‏.‏

ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد كما أتوق إلى تحقيق التصانيف ليبقى الخلفان نائبين عني بعد التلف‏.‏

وفي طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب للتفرد‏.‏

ثم إني أروم الاستمتاع بالمستحسنات وفي ذلك امتناع من جهة قلة المال ثم لو حصل فرق جمع وكذلك أطلب لبدني ما يصلحه من المطاعم والمشارب فإنه متعود للترفه واللطف وفي قلة المال مانع وكل ذلك جمع بين أضداد‏.‏

فأين أنا وما وصفته من حال من كانت غاية همته الدنيا‏.‏

وأنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب‏.‏

ولا أن يؤثر في علمي ولا في عملي‏.‏

فواقلقي من طلب قيام الليل وتحقيق الورع مع إعادة العلم وشغل القلب بالتصانيف‏.‏

وتحصيل ما يلائم البدن من المطاعم‏.‏

وواأسفي على ما يفوتني من المناجاة في الخلوة مع ملاقاة الناس وتعليمهم‏.‏

ويا كدر الورع مع طلب ما لا بد منه للعائلة‏.‏

غير أني قد استسلمت لتعذيبي ولعل تهذيبي في تعذيبي لأن علو الهمة تطلب المعالي المقربة إلى الحق عز وجل‏.‏

وربما كانت الحيرة في الطلب غليلاً إلى المقصود‏.‏

وها أنا أحفظ أنفاسي من أن يضيع منها نفس في غير فائدة‏.‏

وإن بلغ همي مراده‏.‏

‏.‏

‏.‏

وإلا فنية المؤمن أبلغ من عمله‏.‏

لما سطرت هذا الفصل المتقدم رأيت أذكار النفس بما لا بد لها في الطريق منه‏.‏

وهو أنه لا بد لها من التلطف فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف‏.‏

فينبغي أن يقطع الطريق بألطف ممكن‏.‏

وإذا تعبت الرواحل نهض الحادي يغنيها وأخذ الراحة للجد جد وغوص السباح في طلب الدر صعود‏.‏

ودوام السير يحسر الإبل والمفازة صعبة ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس فلينظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كان يتلطف بنفسه ويمازح ويخالط النساء ويقبل ويمص اللسان ويختار المستحسنات ويستعذب له الماء ويختار الماء البارد والأوفق من المطاعم كلحم الظهر والذراع والحلوى وهذا كله رفق بالناقة في طريق السير‏.‏

فأما من جرد عليها السوط فإنه يوشك أن لا يقطع الطريق‏.‏

وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى واعلم أنه ينبغي للعاقل أن يغالط نفسه فيما يكشف العقل عن عواره فإن فكر المتيقظ يسبق قبل مباشرة المرأة إلى أنها اعتناق بجسد يحتوي على قذارة وقيل بلع اللقمة إلى أنها متقلبة في الريق ولو أخرجها الإنسان لفظها‏.‏

ولو فكر في قرب الموت وما يجري عليه بعده لبغض عاجل لذته فلا بد من مغالطة تجري لينتفع الإنسان بعيشه كما قال لبيد‏:‏ فأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل وقال البستي‏:‏ أفد طبعك المكدود بالهم راحة تجمّ وعللّه بشيء من الزح ولكن إذا أعطيته ذاك فليكن بمقدار ما يعطي الطعام من الملح وقال أبو علي بن الشبل‏:‏ وإذا هممت فناج نفسك بالمنى وعداً فخيرات الجنان عدات واجعل رجاءك دون يأسك جنة حتى تزول بهمّك الأوقات واستر عن الجلساء بثك إنما جلساؤك الحسّاد والشّمات ودع التوقع للحوادث إنه للحي - من قبل الممات - ممات فالهم ليس له ثبات مثل ما في أهله ما للسرور ثبات وقال أيضاً‏:‏ يحفظ الجسم تبقى النفس فيه بقاء النار تحفظ بالوعاء فباليأس الممض فلا تمتها ولا تمدد لها طول الرجاء وعدها في شدائدها رخاء وذكرها الشدائد في الرخاء يعد صلاحها هذا وهذا وبالتركيب منفعة الدواء وقد كان عموم السلف يخضبون الشيب لئلا يرى الإنسان منهم ما يكره وإن كان الخضاب لا يعدم النفس علمها بذلك ولكنه نوع مخادعة للنفس‏.‏

وما زالت النفوس ترى الظاهر‏.‏

وإنما الفكر والعقل مع الغائب‏.‏

ولا بد من مغالطة تجري ليتم العيش‏.‏

ولو عمل العامل بمقتضى قصر الأمل ما كتب العلم ولا صنف‏.‏

فافهم هذا الفصل مع الذي تقدمه فإن الأول في مقام العزيمة وهذا في مكان الرخصة‏.‏

ولا بد للتعب من راحة وإعانة والله عز وجل معك على قدر صدق الطلب وقوة اللجأ وخلع الحول والقوة وهو الموفق‏.‏

قوام الآدمي بشيئين الحرارة والرطوبة‏.‏

ومن شأن الحرارة أن تحلل الرطوبة وتفنيها فالآدمي محتاج إلى تحصيل خلف للمتحلل‏.‏

فأبدان النشوء تغتذي بأكثر مما يتحلل منها‏.‏

والأبدان المتناهية تغتذي بمقدار ما يتحلل منها والأبدان التي قد أخذت في الهرم يتحلل منها أكثر مما تغتذي به‏.‏

ولا تتشبع مما تغتذي به وينبغي للناشيء البالغ أن يتحفظ في النكاح لأنه بعفته يربي قاعدة قوة يجد أثرها في الكبر‏.‏

وأما المتوسط والواقف السن فينبغي أن يحذر فضول الجماع فإن حصل له مثل ما يخرج منه فأسرف فاللازم أخذ من الحاصل ويوشك أن يسرع النفاد‏.‏

وأما الشيخ فترك النكاح كاللازم له خصوصاً إذا زاد علو السن لأنه ينفق من الجوهر الذي لا يحصل مثله أبداً‏.‏

ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ماله فيكتسب أكثر مما ينفق ليكون الفاضل مدخراً لوقت العجز‏:‏ وليحذر السرف فإن العدل هو الأصلح‏.‏

ثم ينظر في الزوجة والمطلوب منها شيئان‏:‏ وجود الولد وتدبير المنزل فإذا كانت مبذرة فعيب لا يحتمل فإن انضمت صفة العقر فلا وجه للإمساك‏.‏

وإن كانت مما يحتاج أن تحفظ فتركها لازم‏.‏

فأما الخدم فليجتهد في تحصيل خادم لا تستعبده الشهوة فإن عبد الشهوة له مولى غير سيده‏.‏

ولينظر المالك في طبع المملوك فمنهم من لا يأتي إلا على الإكرام فليكرمه فإنه يربح محبته ومنهم من لا يأتي إلا على الإهانة فليداره وليعرض عن الذنوب‏.‏

فإن لم يمكن عاتب بلطف وليحذر العقوبة ما أمكن وليجعل للمماليك زمن راحة‏.‏

والعجب ممن يعني بدابته وينسى مداراة جاريته وأجود المماليك الصغار وكذلك الزوجات لأنهم متعودون خلق المشتري‏.‏

وليحفظ نفسه بالهيبة من الإنحراف مع الزوجة ولا يطلعها على ماله فإنها سفيهة تطلب كثرة الإنفاق‏.‏

وأما تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد مستقبلهم‏.‏

ومتى كان الصبي ذا أنفة - حيياً - رجى خيره‏.‏

وليحمل على صحبة الأشراف والعلماء وليحذر من مصاحبته للجهال والسفهاء فإن الطبع لص‏.‏

وليحذر الصبي من الكذب غالة التحذير ومن المخالطة للصبيان المعوجين‏.‏

فإذا بلغ فليزوج بصبية لم تعرف غيره فينتفعان‏.‏

هذه الإشارة إلى تدبير أمور الدنيا‏.‏

فأما تدبير العلم فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن والفقه وسماع الحديث‏.‏

وليحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة فإذا بلغ تشتت همته فليضرب تارة ويرشى أخرى ليبلغ وقد حصل محفوظات سنية‏.‏

وأول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقناً فإنه يثبت ويختلط باللحم والدم ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن ثم الفقه مذهباً وخلافاً وما أمكن بعد هذا من العلوم فحفظه حسن‏.‏

وليحذر من عادات أصحاب الحديث فإنهم يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث فيذهب العمر وما حصلوا فهم شيء‏.‏

فإذا بلغوا سناً طبوا جواز فتوى أو قراءة جزء من القرآن فعادوا القهقرى‏.‏

لأنهم يحفظون بعد كبر السن فلا يحصل مقصودهم فالحفظ في الصبا للمهم من العلم أصل عظيم‏.‏

وقد رأينا كثيراً ممن تشاغل بالمسموعات وكتابة الأجزاء ورأى الحفظ صعباً فمال إلى الأسهل فلما احتاج إلى نفسه قعد يتحفظ على كبر فلم يحصل مقصوده‏.‏

فاليقظة لفهم ما ذكرت وانظر في الإخلاص فما ينفع شيء دونه‏.‏

  فصل عقبى التفريط

اشتد الغلاء ببغداد في أول سنة خمس وسبعين وكلما جاء الشعير زاد السعر‏.‏

وتدافع الناس على اشتراء الطعام فاغتبط من يستعبد كل سنة يزرع ما يقوته وفرح من بادر في أول النيسان إلى اشتراء الطعام قبل أن يضاعف ثمنه‏.‏

وأخرج الفقراء ما في بيوتهم فرموه في سوق الهوان‏.‏

وبان ذل نفوس كانت عزيزة‏.‏

فقلت‏:‏ يا نفس خذي من هذه الحال إشارة ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة إليه وليفرحن من له جواب عند إقبال المسألة‏.‏

وكل الويل على المفرط الذي لا ينظر في عاقبته فتنبهي‏.‏

فقد نبهت ناساً الدنيا على أمر الآخرة‏.‏

وبادري موسم الزرع ما دامت الروح في البدن‏.‏

وما لك زرع وحاجة المفتقرين إلى أموالهم تمنعهم من الإيثار‏.‏

  فصل هاجس مقلق

تأملت حالة أزعجتني وهو أن الرجل قد يفعل مع امرأته كل جميل وهي لا تحبه وكذا يفعل مع صديقه والصديق يبغضه وقد يتقرب إلى السلطان بكل ما يقدر عليه والسلطان لا يؤثره فيبقى متحيراً يقول‏:‏ ما حيلتي‏.‏

فخفت أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه أتقرب إليه وهو لا يريدني‏.‏

وربما يكون قد كتبني شقياً في الأزل‏.‏

ومن هذا خاف الحسن فقال‏:‏ أخاف أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال‏:‏ لا غفرت لك‏.‏

فليس إلا القلق والخوف لعل سفينة الرجا تسلم - يوم دخلوها الشاطىء - من جرف‏.‏

  فصل عدد الأحاديث

جرى بيني وبين أحد أصحاب الحديث كلام في قول الإمام أحمد‏:‏ صح من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مائة ألف حديث‏.‏

فقلت له‏:‏ إنما يعني به الطرق فقال‏:‏ لا بل المتون فقلت‏:‏ هذا بعيد التصور‏.‏

ثم رأيت لأبي عبد الله الحاكم كلاماً ينصر ما قال ذلك الشخص وهو أنه قال في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل‏:‏ كيف يجوز أن يقال‏:‏ إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغ عشرة آلاف حديث وقد روى عنه من أصحابه أربعة آلاف رجل وامرأة صحبوه نيفاً وعشرين سنة بمكة ثم بالمدينة حفظوا أقواله وأفعاله ونومه ويقظته وحركاته وغير ذلك سوى ما حفظوا من أحكام الشريعة‏.‏

واحتج بقول أحمد‏:‏ صح من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع مائة ألف حديث وكسر وأن إسحاق بن راهويه كان يملي سبعين ألف حديث حفظاً وأن أبا العباس بن عقدة قال‏:‏ أحفظ لأهل البيت ثلاث مائة ألف حديث‏.‏

قال ابن عقدة‏:‏ وظهر لابن كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث‏.‏

قلت‏:‏ ولا يحسن أن يشار بهذا إلى المتون‏.‏

وقد عجبت كيف خفي هذا على الحاكم وهو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد بن حنبل وقد طاف الدنيا مرتين حتى حصله وهو أربعون ألف حديث منها عشرة آلاف مكررة‏.‏

قال حنبل بن إسحاق‏:‏ جمعنا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله وقرأ علينا المسند وقال لنا‏:‏ هذا كتاب جمعته من أكثر من سبع مائة ألف وخمسين ألفاً‏.‏

فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة‏.‏

أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد بكونه جمعه من سبعمائة ألف أنه أراد الطرق‏.‏

لأن السبع مائة الألف إن كانت من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف أهملها‏.‏

فإن قيل‏:‏ فقد أخرج في مسنده أشياء ضعيفة‏.‏

ثم أعوذ بالله أن يكون سبع مائة ألف ما تحقق منها سوى ثلاثين ألفاً‏.‏

وكيف ضاعت هذه الجملة ولم أهملت وقد وصلت كلها إلى زمن أحمد فانتقى منها ورمى الباقي‏.‏

وأصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع والكذب‏.‏

وكذلك قال أبو داود‏:‏ جمعت كتاب السنن من ستمائة ألف حديث‏.‏

ولا يحسن أن يقال‏:‏ إن الصحابة الذين رووها ماتوا ولم يحدثوا بها التابعين‏.‏

فإن الأمر قد وصل إلى أحمد فأحصى سبع مائة ألف حديث وما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلاً‏.‏

ومعلوم أنه لو جمع الصحيح والمحال الموضوع وكل منقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين الباقي‏.‏

ولا يجوز أن يقال تلك الأحاديث كلام التابعين فإن الفقهاء نقلوا مذاهب القوم ودونوها وأخذوا بها ولا وجه لتركها ففهم كل ذي لب أن الإشارة إلى الطرق وأن ما توهمه الحاكم فاسد‏.‏

ولو عرض هذا الاعتراض عليه وقيل له‏:‏ فأين الباقي لم يكن له جواب‏.‏

لكن الفهم عزيز‏.‏

والله المنعم بالتوفيق‏.‏

ومثل هذا تغفيل قوم قالوا‏:‏ إن البخاري لم يخرج كل ما صح عنده وأن ما أخرج كالأنموذج وإلا فكان يطول‏.‏

وقد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسمعيلي وحكي عن البخاري أنه قال‏:‏ ما تركت من الصحيح أكثر‏.‏

وإنما يعني الطرق يدل على ما قلته أن الدارقطني وهو سيد الحفاظ جمع ما يلزم البخاري ومسلم إخراجه فبلغ ما لم يذكراه أحاديث يسيرة ولو كان كما قالوا لأخرج مجلدات ثم قوله‏:‏ ما يلزم البخاري دليل صريح على ما قلته لأنه من أخرج الأنموذج لا يلزمه شيء‏.‏

وكذلك أخرج أبو عبد الله الحاكم كتاباً جمع فيه ما يلزم البخاري إخراجه فذكر حديث الطائر فما أقل فهم هؤلاء الذين شغلهم نقل الحديث عن التدقيق الذي لا يلزم في صحة الحديث‏.‏

وإنما وقع لقلة الفقه والفهم‏.‏

إن البخاري ومسلم تركا أحاديث أقوام ثقات لأنهم خولفوا في الحديث فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا هم‏.‏

ولم كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة‏.‏

وتركوا أحاديث أقوام لأنهم انفردوا بالرواية عن شخص‏.‏

ومعلوم أن انفراد الثقة لا عيب فيه وتركوا من ذلك الغرائب وكل ذلك سوء فهم‏.‏

ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا فقالوا‏:‏ الزيادة من الثقة مقبولة ولا يقبل القدح حتى يبين سببه‏.‏

وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه‏.‏

فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين‏.‏

  فصل فقه اللغة

اعلم أن الله عز وجل وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل‏.‏

فالنفوس تعلمها ضرورة وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها‏.‏

فإنه وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل‏.‏

فالنفوس تعلمها ضرورة وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها‏.‏

فإنه وضع في النفس أو المصنوع لا بد له من صانع وأن المبني لا بد له من بان وأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة‏.‏

ومثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل وألهم العرب النطق بالصواب من غير لحن فهم يفرقون بين المرفوع والمنصوب بأمارات في جبلتهم وإن عجزوا عن النطق بالعلة‏.‏

قال عثمان بن جني‏:‏ سألت يوماً أبا عبد الله محمد بن العساف العقيلي فقلت له‏:‏ كيف تقول ضربت أخوك فقال‏:‏ أقول ضربت أخاك‏.‏

فأدرته على الرفع فأبى وقال لا أقول أخوك أبداً‏.‏

قال‏:‏ فكيف تقول ضربني أخوك فرفع فقلت‏:‏ أليس زعمت أنك لا تقول أخوك أبداً فقال إيش هذا اختلفت جهتها في الكلام‏.‏

وهذا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام وإعطائهم إياه في كل موضع حقه وإنه ليس استرسالاً ولا ترخيماً‏.‏

قال عثمان‏:‏ واللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم والنحو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتكسير وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة أهلها‏.‏

  فصل الأيقاظ والغافلون

تدبرت أحوال الأخيار والأشرار فرأيت سبب صلاح النظر وسبب فساد الأشرار إهمال النظر‏.‏

وذاك أن العاقل ينظر فيعلم أنه لا بد من صانع وأن طاعته لازمة ويتأمل معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم قياده إلى الشرع‏.‏

ثم ينظر فيما يقربه إليه‏.‏

ويزلفه لديه‏.‏

فإذا شق عليه إعادة العلم تأمل ثمرته فسهل ذلك‏.‏

وإذا صعب عليه قيام الليل فكذلك‏.‏

وإذا رأى مشتهى تأمل عاقبته فعلم أن اللذة تفنى والعار والإثم يبقيان فيسهل عليه الترك‏.‏

وإذا اشتهى الانتقام ممن يؤذيه ذكر ثواب الصبر وندم الغضبان على أفعاله في حال الغضب‏.‏

ثم لا يزال يتأمل سرعة ممر العمر فيغتنمه بتحصيل أفضل الفضائل فينال مناه‏.‏

فمنهم من لم يتأمل في معنى المصنوع وإثبات الصانع فجحدوا وتركوا النظر وجحدوا الرسل وما جاءوا به ونظروا إلى العاجل ولم يتفكروا في مبتداه ومنتهاه‏.‏

فليس عندهم من عرفان المطعم إلا الأكل‏.‏

ولو تأملوا كيف أنشىء ولماذا جعل حافظاً للأبدان لعرفوا حقائق الأمور‏.‏

وكذلك كل شهوة تعرض لهم لا ينظرون في عاقبتها بل في عاجل لذتها‏.‏

وكم قد جنت عليهم من وقوع حد وقطع يد وفضيحة‏.‏

فتعجيل اللذة يفوت الفضائل ويحصل الرذائل‏.‏

وسببه عدم النظر في العواقب وهذا شغل العقل وذاك المذموم شغل الهوى‏.‏

نسأل الله عز وجل يقظة ترينا العواقب وتكشف لنا الفضائل والمعائب إنه قادر على ذلك‏.‏

  فصل قوة الهمة

خلقت لي همة عالية تطلب الغايات‏.‏

بلغت السن وما بلغت ما أملت فأخذت أسأل تطويل العمر وتقوية البدن وبلوغ الآمال‏.‏

فأنكرت علي العادات وقالت‏:‏ ما جرت عادة بما تطلب‏.‏

وقد قيل لرجل‏:‏ لنا حويجة فقال‏:‏ اطلبوا لها رجيلاً‏.‏

وقيل لآخر جئناك في حاجة لا ترزؤك فقال هلا طلبتم لها سفاسف الناس‏.‏

فإذا كان أهل الأنفة من أرباب الدنيا يقولون هذا فلم لا نطمع في فضل كريم قادر‏.‏

وقد سألته هذا السؤال في ربيع الآخر من سنة خمس وسبعين فإن مد لي أجلي وبلغت ما أملته نقلت هذا الفصل إلى ما بعد وبيضته وأخبرت ببلوغ آمالي‏.‏

وإن لم يتفق ذلك فسيدي أعلم بالمصالح فإنه لا يمنع بخلاً ولا حول إلا به‏.‏

  فصل فساد التصوف

ما أقل من يعمل الله تعالى خالصاً لأن أكثل الناس يحبون ظهور عباداتهم‏.‏

وسفيان الثوري كان يقول‏:‏ لا أعتد بما ظهر من عملي وكانوا يسترون أنفسهم‏.‏

واليوم ثياب القوم تشهرهم وقد كان أيوب السختياني يطول قميصه حتى يقع على قدميه ويقول كانت الشهرة في التطويل واليوم الشهرة في التقصير‏.‏

فاعلم أن ترك النظر إلى الخلق ومحو الجاه من قلوبهم بالتعمل وإخلاص القصد وستر الحال وهو الذي رفع من رفع‏.‏

فقد كان أحمد بن حنبل يمشي حافياً في وقت ونعلاه في يديه ويخرج للقاط وبشر يمشي حافياً على الدوام وحده ومعروف يلتقط النوى‏.‏

واليوم صارت الرياسات أكثر من كل حاجة وما تتمكن الرياسات حتى تتمكن من القلب الغفلة ورؤية الخلق ونسيان الخلق فحينئذ تطلب الرياسة على أهل الدنيا‏.‏

ولقد رأيت من الناس عجباً حتى من يتزي بالعلم إن رآني أمشي وحدي أنكر علي وإن رآني أزور فقيراً عظم ذلك وإن رآني أنبسط بتبسم نقصت من عينه‏.‏

فقلت‏:‏ فواعجباً هذه كانت طريق الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم‏.‏

فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه‏.‏

لا جرم والله سقطتم من عين الحق فأسقطكم من عين الخلق‏.‏

فكم ممن يتعب في تربية ناموس ولا يلتفت إليه ولا يحظى بمراده ويفوته المراد الأكبر‏.‏

فالتفتوا إخواني إلى إصلاح النيات وترك التزين للخلق‏.‏

ولتكن عمدتكم الاستقامة مع الحق فبذلك صعد السلف وسعدوا‏.‏

وإياكم وما الناس عليه اليوم فإنه بالإضافة إلى يقظة السلف نوم‏.‏

والله ما ينفع تأديب الوالد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد فإنه سبحانه إذا أراد شخصاً رباه من طفولته وهداه إلى الصواب ودله على الرشاد وحبب إليه ما يصلح وصحبه من يصلح‏.‏

وبغض إليه ضد ذلك وقبح عنده سفساف الأمور وعصمه من القبائح وأخذ بيده كلما عثر‏.‏

وإذا أبغض شخصاً تركه دائم التعثير متخبطاً في كل حال ولم يخلق له همة لطلب المعالي وشغله بالرذائل عن الفضائل وإن قال لم خصصت بهذا قال الخطاب الذي لا يجاب ‏"‏ بما كسبت أيديكم ‏"‏‏.‏

  فصل من الأدلة على الله

من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها فقد دبرت مصالحها وترقت إلى معرفة الأفلاك واكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم وشاهدت الصانع في المصنوع فلم يحجبها ستر وإن تكاثف ولا يعرف مع هذا ماهيتها ولا كيفيتها ولا جوهرها ولا محلها‏.‏

وهذا كله يوجب عليها أن لها مدبراً وخالقاً وكفى بذلك دليلاً عليه‏.‏

إذ لو كانت وجدت بها لما خفيت أحوالها عليها‏.‏

فسبحانه سبحانه‏.‏

  فصل زهد الصوفية في العلم

سبحان من من على الخلق بالعلماء الفقهاء الذين فهموا مقصود الأمر ومراد الشارع فهم حفظة الشريعة فأحسن الله جزاءهم‏.‏

وإن الشيطان ليتجافاهم خوفاً منهم فإنهم يقدرون على أذاه وهو لا يقدر على أذاهم‏.‏

ولقد تلاعب بأهل الجهل والقليل الفهم‏.‏

وكان من أعجب تلاعبه أن حسن لأقوم ترك العلم ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به‏.‏

وهذا لو فهموه قدح في الشريعة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ بلغوا عني وقد قال له ربه عز وجل‏:‏ ‏"‏ بلغ ‏"‏‏.‏

فإذا لم يتشاغل بالعلم فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق‏.‏

ولقد نقل مثل هذا عن كبار الزهاد كبشر الحافي فإنه قال لعباس بن عبد العظيم‏:‏ لا تجالس ثم اعتذر فقال‏:‏ إنما الحديث فتنة إلا لمن أراد الله به‏.‏

وإذا لم يعمل به فتركه أفضل‏.‏

وهذا عجب منه‏.‏

من أين له أن طلابه لا يريدون الله به وأنهم لا يعملون به‏.‏

أوليس العمل به على ضربين‏:‏ عمل بما يجب وذلك لا يسع أحداً تركه والثاني نافلة ولا يلزم‏.‏

والتشاغل بالحديث أفضل من التنفل بالصوم والصلاة‏.‏

وما أظنه أراد إلا طريقه في دوام الجوع والتهجد وذلك شيء لا يلام تاركه‏.‏

فإن كان يريد أن لا يوغل في علوم الحديث فهذا خطأ لأن جميع أقسامه محمودة‏.‏

أفترى لو ترك الناس طلب الحديث كان بشر يفتي‏.‏

فالله الله في الالتفات إلى قول من ليس بفقيه ولا يهولنك تعظيم اسمه فالله يعفو عنه‏.‏

  فصل جانب الله أحق أن يرعى

العاقل من يحفظ جانب الله عز وجل وإن غضب الخلق‏.‏

وكل من يحفظ جانب المخلوقين ويضيع حق الخالق يقلب الله قلب الذي قصد أن يرضيه فيسخطه عليه‏.‏

ولما بالغ طاهر بن الحسين فيما فعل بالأمين وفتك به وصلب رأسه وإن كان ذلك عن إرادة المأمون ولكن بقي أثر ذلك في قلبه فكان المأمون لا يقدر أن يراه‏.‏

ولقد دخل عليه يوماً فبكى المأمون فقال له طاهر‏:‏ لم تبك لا أبكى الله عينك فلقد دانت لك البلاد‏.‏

فقال‏:‏ أبكي لأمر ذكره ذل وسره حزن ولن يخلو أحد من شجن‏.‏

فلما خرج طاهر نفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم وسأله أن يسأل المأمون لم بك فلما تغدى المأمون قال‏:‏ يا حسين اسقني‏.‏

قال‏:‏ لا والله ولا أسقيك حتى تقول لم بكيت حين دخل عليك طاهر‏.‏

قال‏:‏ يا حسين وكيف عنيت بهذا حتى سألت عنه قال‏:‏ لغمي بذلك‏.‏

قال‏:‏ يا حسين أمر إن خرج من رأسك قتلتك‏.‏

قال‏:‏ يا سيدي ومتى أخرجت لك سراً‏.‏

قال‏:‏ إني ذكرت أخي محمداً وما ناله من الذلة فحنقتني العبرة فاسترحت إلى إفاضتها ولن يفوت طاهراً مني ما يكره‏.‏

فأخبر حسين طاهراً بذلك فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد‏.‏

فدخل على المأمون فقال‏:‏ ما بت البارحة‏.‏

قال‏:‏ ولم قال‏:‏ لأنك وليت غسان بن عباد خراسان‏.‏

وهو ومن معه أكلة رأس فأخاف أن يخرج خارج من الترك فيصطلمه‏.‏

قال‏:‏ فمن ترى قال‏:‏ طاهر بن الحسين فعقد له فمضى فبقي مدة ثم قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة‏.‏

فقال له صاحب البريد‏:‏ ما دعوت لأمير المؤمنين قال‏:‏ سهو فلا تكتب‏.‏

ففعل ذلك في الجمعة الثانية والثالثة‏.‏

فقال له‏:‏ لا بد أن أكتب لئلا يكتب التجار ويسبقوني‏.‏

قال‏:‏ اكتب فكتب فدعا المأمون أحمد بن أبي خالد وقال‏:‏ إنه لم يذهب علي احتيالك في أمر طاهر وأنا أعطي الله عهداً إن لم تشخص حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي لتذمن عقباك‏.‏

فشخص وجعل يتلوم في الطريق ويعتل بالمرض فوصل إلى الري وقد بلغته وفاة طاهر‏.‏

قلت‏:‏ ولما خرج الراشد من بغداد وأرادوا تولية المقتفي شهد جماعة من الشهود بأن الراشد لا يصلح للخلافة فنزعوه وولوا المقتفي‏.‏

فبلغني أنه ذكر للمقتفي بعض الشهود فذمه وقال‏:‏ كان فيمن أعان على أبي جعفر‏.‏

وعلى ضد هذا كل من يراعي جانب الحق والصواب يرضى عنه من سخط عليه‏.‏

ولقد حدثني الوزير ابن هبيرة أن المستنجد بالله كتب إليه كتاباً وهو يومئذ ولي عهد وأراد أن يستره من أبيه قال فقلت‏:‏ للواصل به والله ما يمكنني أقرؤه لا أجيب عنه‏.‏

فلما ولي الخلافة دخلت عليه فقلت‏:‏ أكبر دليل على صدقي وإخلاصي أني ما حابيتك في أبيك‏.‏

فقال‏:‏ صدقت أنت الوزير‏.‏

وحدثني بعض الأصدقاء أن قوماً ألحقوا إلى المخزن بعض دين لهم ليستخلص فقال المسترشد لصاحب المخزن‏:‏ خلصه لهم وخذ ما ضمنوا لنا‏.‏

فأحضر ابن الرطبي وعرض الأمر عليه فقال‏:‏ هذا أمر بظلم وما أحكم فيه‏.‏

فقال‏:‏ إن السلطان قد تقدم قال ما أفعل‏.‏

فأحضر قاضياً آخر فبت الحكم فأخبر الخليفة بالحال‏.‏

فقال‏:‏ أما ابن الرطبي فيشكر على ما قال‏.‏

وأما الآخر فيعزل‏.‏

وذلك لأنه بان له أن الحق ما قاله ابن الرطبي‏.‏

وكذلك ما طلبه السلطان من أن يلقب ملك الملوك فاستفتى الفقهاء فأجازوا ذلك وامتنع من إجازته الماوردي فعظم قدره عند السلطان‏.‏

ومثل هذا إذا تتبع كثير‏.‏

ولا يسخط الخالق فإنه يسخط المخلوق فيفوت الحظان جميعاً‏.‏

  فصل النظر إلى الحقائق

ينبغي للعاقل أن ينظر إلى الأصول فيمن يخالطه ويعاشره ويشاركه ويصادقه ويزوجه أو يتزوج إليه‏.‏

ثم ينظر بعد ذلك في الصور فإن صلاحها دليل على صلاح الباطن‏.‏

أما الأصول فإن الشيء يرجع إلى أصله وبعيد ممن لا أصل له أن يكون فيه معنى مستحسن‏.‏

وإن المرأة الحسناء إذا كانت من بيت رديء فقل أن تكون صينة وكذلك أيضاً المخالط والصديق والمباضع والمعاشر‏.‏

فإياك أن تخالط إلا من له أصل يخاف عليه الدنس فالغالب معه السلامة وإن وقع غير ذلك كان نادراً‏.‏

وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لرجل‏:‏ أشر علي فيمن استعمل‏.‏

فقال‏:‏ أما أرباب الدين فلا يريدونك أي لا يسألونك الرياسة وأما أرباب الدنيا فلا تردهم ولكن عليك بالأشراف فإنهم يصونون شرفهم عما لا يصلح‏.‏

وقد روى أبو بكر الصولي قال‏:‏ حدثني الحسين بن يحيى عن إسحاق قال‏:‏ دعاني المعتصم فأدخلني معه الحمام ثم خرج فخلا بي وقل‏:‏ يا أبا إسحاق في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه‏.‏

إن أخي المأمون اصطنع قوماً فأنجبوا واصطفيت أنا مثلهم فلم ينجبوا‏.‏

قلت‏:‏ ومن هم قال‏:‏ اصطنع طاهراً وابنه إسحاق وآل سهل فقد رأيت كيف هم‏.‏

واصطنعت أنا الأفشين فقد رأيت إلى ما آل أمره وأسناش فلم أجده شيئاً وكذلك إيتاخ ووصيف‏.‏

قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ههنا جواب علي أمان من الغضب‏.‏

قال‏:‏ لك ذاك‏.‏

قلت‏:‏ نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها واستعملت فروعاً لا أصول لها فلم تنجب‏.‏

فقال‏:‏ يا أبا إسحاق مقاساة ما مر بي طول هذه المدة أهون علي من هذا الجواب‏.‏

أما الصور فإنه متى صحت البنية ولم يكن فيها عيب فالغالب صحة الباطن وحسن الخلق ومتى كان فيها عيب فالعيب في الباطن أيضاً‏.‏

فاحذر من به عاهة كالأقرع والأعمى وغير ذلك فإن بواطنهم في الغالب ردية‏.‏

ثم مع معرفة المخالط وكمال صورته لا بد من التجربة قبل المخالطة واستعمال الحذر لازم وإن كان كما ينبغي‏.‏

  فصل تجارب مع الحياة

ينبغي أن يكون شغل العاقل النظر في العواقب والتحرز مما يمكن أن يكون‏.‏

ومن الغلط النظر في الحالة الحاضرة الموافقة لمعاشه ولصحة بدنه وربما لا يجري له مصحوبه فينبغي أن يعمل على انقطاع ذلك فيكون مستعداً لتغير الأحوال‏.‏

وكذلك النظر في لذة تفنى وتبقى تبعتها وعارها وإيثار الكسل والدعة لما يجيء بعدهما من بقاء الجهل‏.‏

وكذلك تحصيل المرادات التي لا تحصل إلا بالتلطف في الاحتيال خصوصاً إذا أريد من ذكي فإنه يفطن بأقل تلويح‏.‏

فمن أراد غلبة الذكي دقق النظر وتلطف في الاحتيال‏.‏

وقد ذكر في كتب الحيل ما يشحذ الخواطر وأتينا بجملة منه في كتاب الأذكياء‏.‏

مثل ما روي أن رجلاً من الأشراف كان لا يقوم لأحد ولا يخشى أحداً فجاز عليه بعض فقال ذاك الوزير لرجل‏:‏ أخبر فلاناً أني قد كلمت أمير المؤمنين في حقه وقد أمر له بمائة ألف فليحضر ليقبضها فأخبره ذلك الرجل‏.‏

فقال الشريف‏:‏ إن كان أمر لي بشيء فلينفذه لي وإنما مقصوده أن يضع مني بالتردد عليه‏.‏

فمتى وقع الإنسان مع ذكي فينبغي أن يتحرز منه ويسرق أغراضه بصنوف الاحتيال وينظر فيما يجوز وقوعه فليحترز منه‏.‏

كما ينظر صاحب الرقعة النقلات‏.‏

وكثير من الأذكياء لم يقدروا على أغراضهم من ذكي فأعطوه وبالغوا في إكرامه ليصيدوه فإن كان قليل الفطنة وقع الشرك وإن كان أقوى منهم ذكاء علم أن تحت هذه النية خبيئاً فزاه ذلك احترازاً‏.‏

وأقوى ما ينبغي أن يكون الاحتراز من موتور فإنك إذا آذيت شخصاً فقد غرست في قلبه عداوة فلا تأمن تفريع تلك الشجرة ولا تلتفت إلى ما يظهر من ود وإن حلف فإن قاربته فكن منه على حذر‏.‏

ومن التغفل أن تعاقب شخصاً أو تسيء إليه إساءة عظيمة وتعلم أن مثل ذلك يجدد الحقد فتراه ذليلاً لك طائعاً تائباً مقلعاً عما فعل فتعود فتستطيبه وتنسى ما فعلت وتظن أنه قد انمحى من قلبه ما أسلفت‏.‏

فإياك أن تساكن من آذيته بل إن كان ولا بد فمن خارج فما تؤمن الأحقاد‏.‏

ومتى رأيت عدوك فيه غفلة لا يثنيه مثل هذا فأحسن إليه فإنه ينسى عداوتك ولا يظن أنك قد أضمرت له جزاء على قبح فعله فحينئذ تقدر على بلوغ كل غرض منه‏.‏

ومن الخور إظهار العداوة للعدو‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

ومن أحسن التدبير التلطف بالأعداء إلى أن يمكن كسر شوكتهم‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

ولو لم يمكن ذاك كان اللطف سبباً في كف أكفهم عن الأذى وفيهم من يستحيي لحسن فعلك فيتغير قلبه لك‏.‏

وقد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن رجلاً قد شتمهم أهدوا إليه وأعطوه فهم بالعاجل يكفون شهر ويحتالون في تقليب قلبه ويقع بذلك لهم مهلة لتدبير الحيل عليه إن أرادوا‏.‏

وكفى بالذهن الناظر إلى العواقب والتأمل لكل ممكن مؤدباً‏.‏

  فصل في حفظ السر

رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا به‏.‏

فواعجباً كيف ضاقوا بحبسه ذرعاً ثم لاموا من أفشاه‏.‏

وفي الحديث‏:‏ استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان‏.‏

ولعمري إن النفس يصعب عليها كتم الشيء وترى بإفشائه راحة خصوصاً إذا كان مرضاً أو هماً أو عشقاً‏.‏

وهذه الأشياء في إفشائها قريبة‏.‏

إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضاً‏.‏

فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه فإنه إذا ظهر بطل ما يريد أن يفعل ولا عذر لمن أفشى هذا النوع‏.‏

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزواً ورى بغيره‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ إنما أحدث من أثق به قيل له وكل حديث جاوز الاثنين شائع وربما لم يكتم صديقك‏.‏

وكم قد سمعنا من يحدث عن الملوك بالقبض على صاحب فنم الحديث إلى الصاحب وهرب ففات السلطان مراده‏.‏

وإنما الرجل الحازم الذي لا يتعداه سره ولا يفشيه إلى أحد‏.‏

ومن العجز إفشاء السر إلى الولد والزوجة‏.‏

والمال من جملة السر‏.‏

فإطلاعهم عليه يجر المتاعب إن كان كثيراً فربما تمنوا هلاك الموروث‏.‏

وربما طلبوا من الكثير على مقدار كثرته فأتلفته النفقات‏.‏

وستر المصائب من جملة كتمان السر لأن إظهارها يسر الشامت ويؤلم المحب‏.‏

وكذلك ينبغي أن يكتم مقدار السن لأنه إن كان كبيراً استهرموه وإن كان صغيراً احتقروه‏.‏

ومما قد انهال فيه كثير من المفرطين أنهم يذكرون بين أصدقائهم أميراً أو سلطاناً فيقولون فيه فيبلغ ذلك إليه فيكون سبب الهلاك‏.‏

وربما رأى الرجل من صديقه إخلاصاً وافياً فأشاع سره‏.‏

وقد قيل‏:‏ إحذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق فكان أدرى بالمضرة ورب مفش سره إلى زوجة أو صديق فيصير بذلك رهيناً عنده ولا يتجاسر أن يطلق الزوجة ولا أن يهجر الصديق مخافة أن يظهر سره القبيح‏.‏

فالحازم من عامل الناس بالظاهر فلا يضيق صدره بسره‏.‏

فإن فارقته امرأة أو صديق أو خادم لم يقدر أحد منهم أن يقول فيه ما يكره‏.‏

ومن أعظم الأسرار الخلوات فليحذر الحازم فيها من الانبساط بمرأى من مخلوق‏.‏

ومن خلق له عقل ثاقب دله على الصواب قبل الوصايا‏.‏

ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار له‏.‏

خصوصاً تكرار ما ليس لها في تكراره وحفظه حظ مثل مسائل الفقه‏.‏

بخلاف الشعر والسجع فإن لها لذة في إعادته وإن كان صعباً لأنها تلتذ به مرة ومرتين‏.‏

فإذا زاد التكرار صعب عليها ولكن دون صعوبة الفقه وغيره من المستحسنات عند الطبع فتراها تخلد إلى الحديث والشعر والتصانيف والنسخ لأنه يمر بها كل لحظة ما لم تره فهو في المعنى كالماء الجاري لأنه جزء بعد جزء‏.‏

وكذا من ينسخ ما يحب أن يسمعه أو يصنف فإنه يلتذ بالجدة ويستريح من تعب الإعادة‏.‏

إلا أنه ينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة خصوصاً الصبي والشاب فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقراراً لا يزول‏.‏

ويجعل أوقات التعب من الإعادة للنسخ ويحذر من تفلتها إلى النسخ عند الإعادة فيقهرها فإنه يحمد ذلك حمد السري وقت الصباح‏.‏

وسيندم من لم يحفظ ندم الكسعي وقت الحاجة إلى النظر والفتوى‏.‏

وفي الحفظ نكتة ينبغي أن تلحلظ وهو أن الفقيه يحفظ الدرس ويعيده ثم يتركه فينساه فيحتاج إلى زمان آخر لفظه فينبغي أن يحكم الحفظ ويكثر التكرار ليثبت قاعدة الحفظ‏.‏

ما أعرف نفعاً كالعزلة عن الخلق خصوصاً للعالم والزاهد فإنك لا تكاد ترى إلا شامتاً بنكبة أو حسوداً على نعمة أو من يأخذ عليك غلطاتك‏.‏

فيا للعزلة ما ألذها سلمت من كدر غيبة وآفات تصنع وأحوال المداجاة وتضييع الوقت‏.‏

ثم خلا فيها القلب بالفكر بعدما كان مشغولاً عنه بالمخالطة فدبر أمر دنياه وآخرته فمثله كمثل الحمية يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها‏.‏

وما رأيتها مثل ما يصنع المخالط لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس وكلامهم فيشتغل بها عما بين يديه‏.‏

فمثله كمثل رجل يريد سفراً قد أزف فجالس أقوماً فشغلوه بالحديث حتى ضرب البوق وما تزود‏.‏

فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل والسلامة من شر المخالطة كفى‏.‏

‏.‏

ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم والزاهد فإنهما يعلمان مقصود العزلة وإن كانا لا في عزلة‏.‏

أما العالم فعلمه مؤنسه وكتبه محدثه والنظر في سير السلف مقومه والتفكر في حوادث الزمان السابق فرجته‏.‏

فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه وتشبث بأذيال محبته تضاعفت لذاته واشتغل به عن الأكوان وما فيها‏.‏

وكذلك الزاهد تعبده أنيسه ومعبوده جليسه فإن كشف لبصره عن المعمول معه غاب عن الخلق وغابوا عنه‏.‏

إنما اعتزلا ما يؤذي‏.‏

فهما في الوحدة بين جماعة‏.‏

فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق وسلم الخلق من شرورهما بل هما قدوة للمتعبدين وعلم للسالكين‏.‏

ينتفع بكلامهما السامع‏.‏

وتجري موعظتهما المدامع وتنتشر هيبتهما في المجامع‏.‏

فمن أراد أن يتشبه بأحدهما فليصابر الخلوة وإن كرهها ليثمر له الصبر العسل‏.‏

وأعوذ بالله من عالم مخالط للعالم خصوصاً لأرباب المال والسلاطين يجتلب ويجتلب ويختلب ويختلب فما يحصل له شيء من الدنيا إلا وقد ذهب من دينه أمثاله‏.‏

ثم أين الأنفة من الذل للفساق‏.‏

فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم ولا يدري مالمراد به‏.‏

وكأنه به وقد وقع في بادية جرز وقفر أمل مهلك في تلك البراري‏.‏

وكذلك المتزهد إذا خالط وخلط فإنه يخرج إلى الرياء والتصنع والنفاق فيفوته الحظان لا الدنيا ونعيمها تحصل له ولا الآخرة‏.‏

فنسأل الله عز وجل خلوة حلوة وعزلة عن الشر لذيذة يستصلحنا فيها لمناجاته ويلهم كلا منا طلب نجاته‏.‏

إنه قريب مجيب‏.‏

  فصل مراحل الحياة وضروراتها

ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت وهو لا يستعد للقائه‏.‏

وأشد الناس بلهاً وتغفيلاً من عبر الستين وقارب السبعين - فإن ما بينهما هو معترك المنايا‏.‏

ومن نازل المعترك استعد - وهو مع ذلك غافل عن الاستعداد‏.‏

قال الشباب لعلنا في شيبنا ندع الذنوب فما يقول الأشيب والله إن الضحك من الشيخ ما له معنى‏.‏

وإن المزاح منه بارد المعنى‏.‏

وإن تعرضه بالدنيا وقد دفعته عنها يضعف القوي ويضعف الرأي‏.‏

وهل بقي لابن ستين منزل‏.‏

فإن طمع في السبعين فإنما يرتقي إليها بعناء شديد إن قام دفع الأرض‏.‏

وإن مشى لهث‏.‏

وإن قعد تنفس‏.‏

ويرى شهوات الدنيا ولا يقدر على تناولها‏.‏

فإن أكل كد المعدة وصعب الهضم وإن وطىء أذى المرأة وقع دنفاً لا يقدر على رد ما ذهب من القوة إلى مدة طويلة‏.‏

فهو يعيش عيش الأسير‏.‏

فإن طمع في الثمانين فهو يزحف إليها زحف الصغير‏.‏

وعشر الثمانين من خاضها فإن الملمات فيها فنون فالعاقل من فهم مقادير الزمان‏.‏

فإن فيما قيل قبل البلوغ صبي ليس على عمره عيار‏.‏

إلا أن يرزق فطنة ففي بعض الصبيان فطنة تحثهم من الصغر على اكتساب المكارم والعلوم‏.‏

فإذا بلغ فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى وتعلم العلم‏.‏

فإذا رزق الأولاد فهو زمان الكسب للمعاملة‏.‏

فإذا بلغ الأربعين انتهى تمامه‏.‏

وقضى مناسك الأجل‏.‏

ولم يبق إلا الانحدار إلى الوطن‏.‏

كأن الفتى يرقى من العمر معلماً إلى أن يجوز الأربعين وينحطّ فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة‏.‏

ويكون كل تلمحه لما بين يديه‏.‏

ويأخذ في الاستعداد للرحيل‏.‏

وإن كان الخطاب بهذا لابن عشرين إلا أن رجاء التدارك في حق الصغير لا في حق الكبير‏.‏

فإذا بلغ الستين فقد أعذر الله إليه في الأجل وجاز من الزمن أخطره‏.‏

فليقبل بكليته على جمع وليعتقد أن كل يوم يحيا فيه غنيمة ما هي في الحساب‏.‏

خصوصاً إذا قوي عليه الضعف وزاد‏.‏

وكلما علت سنه فينبغي أن يزيد اجتهاده‏.‏

فإذا دخل في عشر الثمانين فليس إلا الوداع وما بقي من العمر إلا أسف على تفريط أو تعبد على ضعف‏.‏

نسأل الله عز وجل يقظة تامة تصرف عنا رقاد الغفلات‏.‏

وعملاً صالحاً نأمن معه من الندم يوم الانتقال والله الموفق‏.‏

 فصل الاشتغال بفلسفة الكلام

ما نهى السلف عن الخوض في الكلام إلا لأمر عظيم وهو أن الإنسان يريد أن ينظر ما لا يقوى عليه بصره فربما تحير فخرج إلى الحجب‏.‏

لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق حار العقل وبهت الحس فهو لا يعرف شيئاً لا بداية له إنه لا يعلم إلا الجسم والجوهر والعرض فإثبات ما يخرج عن ذاك لا يفهمه‏.‏

وإن نظرنا في أفعاله رأيناه يحكم البناء ثم ينقضه ولا نطلع على تلك الحكمة‏.‏

فالأولى للعاقل أن يكف كف التطلع إلى ما لا يطيق النظر إليه‏.‏

ومتى قام العقل فنظر في دليل وجود الخالق بمصنوعاته وأجاز بعثة نبي واستدل بمعجزاته كفاه ذلك أن يتعرض لما قد أغنى عنه‏.‏

وإذا قال القرآن كلام الله تعالى بدليل قوله‏:‏ ‏"‏ حتى يسمع كلام اللّه ‏"‏ كفاه‏.‏

وأما من تحذلق فقال‏:‏ التلاوة هي المتلو أو غير المتلو والقراءة هي المقروء أو غير المقروء فيضيع الزمان في غير تحصيل والمقصود العمل بما فهم‏.‏

وقد حكي أن ملكاً كتب إلى عماله في البلدان إني قادم عليكم فاعملوا كذا وكذا ففعلوا إلا واحداً منهم‏.‏

فإنه قعد يتفكر في الكتاب فيقول‏:‏ أترى كتبه بمداد أو بحبر أترى كتبه قائماً أو قاعداً‏.‏

فما زال يتفكر حتى قدم الملك ولم يعمل مما أمره به شيئاً‏.‏

فأحسن جوائز الكل وقتل هذا‏.‏

  فصل السعادة الحقة

لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها وما اللذة فيها إلا شرف العلم وزهرة العفة وأنفة الحمية وعز القناعة وحلاوة الإفضال على الخلق‏.‏

فأما الالتذاذ بالمطعم والمنكح فشغل جاهل باللذة لأن ذاك لا يراد لنفسه بل لإقامة العوض في البدن والولد‏.‏

وأي لذة ي النكاح وهي قبل المباشرة لا تحصل‏.‏

وفي حال المباشرة قلق لا يثبت‏.‏

وعند انقضائها كأن لم تكن ثم تثمر الضعف في البدن‏.‏

وأي لذة في جمع المال فضلاً عن الحاجة‏.‏

فإنه مستعبد للخازن يبيت حذراً عليه ويدعوه قليله إلى كثيره‏.‏

وأي لذة في المطعم وعند الجوع يستوي خشنه وحسنه‏.‏

فإن ازداد الأكل خاطر بنفسه‏.‏

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ بنيت الفتنة على ثلاث النساء وهن فخ إبليس المنصوب‏.‏

والشراب وهو سيفه المرهف‏.‏

والدينار والدرهم وهما سهماه المسمومان‏.‏

فمن مال إلى النساء لم يصف له عيش‏.‏

ومن أحب الشراب لم يمتع بعقله‏.‏

ومن أحب الدينار والدرهم كان عبداً لهما ما عاش‏.‏

أصل كل محنة في العقائد قياس أمر الخالق على أحوال الخلق‏.‏

فإن الفلاسفة لما رأوا إيجاد شيء لا من شيء كالمستحيل في العادات قالوا بقدم العالم‏.‏

ولما عظم عندهم في العادة الإحاطة بكل شيء قالوا‏:‏ إنه يعلم الجمل لا التفاصيل‏.‏

ولما رأوا تلف الأبدان بالبلاء أنكروا إعادتها‏.‏

وقالوا الإعادة رجوع الأرواح إلى معادنها‏.‏

وكل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر‏.‏

فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون‏.‏

وكذلك تدبيره عز وجل‏.‏

فإن من حمله على ما يعقل في العادات رأى ذبح الحيوان لا يستحسن والأمراض تستقبح وقسمة الغنى للأبله والفقر للجلد العاقل أمراً ينافي الحكمة‏.‏

وهذا في الأوضاع بين الخلق‏.‏

فأما الخالق سبحانه فإن العقل لا ينتهي إلى حكمته‏.‏

بلى‏.‏

قد ثبت عنده وجوده وملكه وحكمته‏.‏

فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق جهل‏.‏

ألا ترى إلى أول المعترضين وهو إبليس كيف ناظر فقال ‏"‏ أنا خير منه ‏"‏ وقول خليفته وهو أبو العلاء المعري‏:‏ رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا أترى نقدر على تعليل أفعاله فضلاً عن مطالعة ذاته‏.‏

وكيف نقيس أمره على أحوالنا‏.‏

فإذا رأينا نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل في أمه وعمه فلا يقبل منه ويتقلب جائعاً والدنيا ملك يده ويقتل أصحابه والنصر بيد خالقه أوليس هذا مما يحير‏!‏‏.‏

فما لنا والاعتراض على مالك قد ثبتت حكمته واستقر ملكه‏.‏